عبد الوهاب الشعراني

228

لواقح الأنوار القدسية في بيان العهود المحمدية

فالتاجر في أغلب أيامه ينفق من رأس ماله أو ماله أو مال غيره الذي هو عامل فيه ، ومثل هذا لا يطالب أن يفتقد فقيرا ولا فقيها ، لا سيما إن كان الفقير أو الفقيه غير مخلص في علمه وعبادته ، وأما الفلاح فهو طول سنته في شقاء وتعب وكلف لقصاد الكشاف والعمال والعرب والعشير وأتباعهم فلا يزال يقدم لهؤلاء كل ما كان عنده من لبن وسمن ودجاج وغنم حتى إنه يبيع غزل امرأته لهم ثم آخر السنة يحملونه عاطل البلد زيادة على خراجه وربما رسموا على زرعه في الجرن فيطلب لأولاده منه طحينا فلا يمكنوه من ذلك فيا ليتهم جعلوه كغلمان الأمين الذين لهم عادة ، ومعلوم أن القرى هي مادة الأمصار فجميع ما في الأمصار إنما يحمل من القرى ، فو اللّه لقد صارت الرعية اليوم بأعمالهم السيئة ؛ كأنهم في صحراء من نار أو كسمك كان في بركة فنزل عنه الماء ، فصارت الكلاب والجوارح تفسخه بالنهار والذئاب والثعالب تفسخه بالليل ، وما بقي يرجى عود الماء في البركة الذي هو كناية عن الرحمة لينغمر فيه السمك ، ولا يعرف ما قلناه إلا الذين يلزمون بما لا يلزم ممن تقدم ذكرهم من السوقة والفلاحين . وسمعت سيدي عليا الخواص يقول : غالب أهل النعم لا تعرف مقدارها إلا بالتحول كما حكي أن عبدا كان سيده يكرمه ويلبسه الثياب الحسنة ويأكل معه على السماط فتنكر عليه سيده يوما ونقمه فقال : بعني في سوق السلطان فاشتراه إنسان حاله أضيق من سيده ، فخلع عنه ثيابه وألبسه خليقات وصار يطعمه من فضلة السماط ، فقال : سوق السلطان ، فاشتراه إنسان حاله أضيق من الثاني فصار يأكل الدقيق ويطعمه النخالة فقال : سوق السلطان ، فاشتراه إنسان يأكل النخالة ويجوعه ، فقال : سوق السلطان ، فاشتراه إنسان يجوع ويجوع العبد معه ، واحتاج في ليلة إلى منارة يضع عليها المسرجة ، فما وجد شيئا فأجلسه ، ووضع المسرجة على رأسه إلى بكرة النهار ، فقال : سوق السلطان ، فوجده فقير وهو خارج إلى السوق ممن كان يعرف حاله الأول ، فذكر له قصته مع هؤلاء الذين اشتروه فقال له : إن سمعت مني رددتك إلى سيدك الأول ، فقال : وماذا أصنع ؟ قال : تعترف له بالنعمة فاعترف فرجع فاشتراه سيده الأول ، فما عرف هذا العبد مقدار النعمة إلا بتحويلها لا سيما من فتح عينه على النعمة من غير اكتساب كالجالسين في مثل جامع الأزهر أو الزوايا التي لها خبز وجوامك وليس عليهم مغارم فإن هؤلاء لا يعرفون ما الخلق فيه وربما بطر أحدهم النعمة التي هو فيها حتى صار يرد على الخادم والنقيب الخبز اليابس ، فحول اللّه عنه النعمة ثم إنه يريد استرجاعها فلا يتيسر له ذلك أبدا . وقد رأى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم كسرة يابسة في بيت عائشة رضي اللّه عنها تحت حائط وقد علاها الغبار ، فأخذها صلى اللّه عليه وسلم ونفخ التراب عنها ثم أكلها وقال : « يا عائشة أحسني مجاورة نعم اللّه عزّ وجلّ فإنّ النّعمة قلّ ما نفرت عن أهل بيت